ابن أبي الحديد

389

شرح نهج البلاغة

بمكة ، أو كما كانوا يعقرون عند القبور ، ومذهبهم في العقر على القبور ، كقول زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب : إن السماحة والمروءة ضمنا * قبرا بمرو على الطريق الواضح ( 1 ) فإذا مررت بقبره فاعقر به * كوم الهجان وكل طرف سابح ( 2 ) وقال الآخر : نفرت قلوصي عن حجارة حرة * بنيت على طلق اليدين وهوب ( 3 ) لا تنفري يا ناق منه فإنه * شريب خمر مسعر لحروب لولا السفار وبعد خرق مهمه * لتركتها تحبو على العرقوب ومذهبهم في العقر على القبور مشهور ، وليس في هذا الشعر ما يدل على مذهبهم في البلية ، فإن ظن ظان أن قوله : ( أو يفوز راكب ) ، فيه إيماء إلى ذلك ، فليس الامر كما ظنه . ومعنى البيت ادفني بفلاة جداء مقطوعة عن الانس ، ليس بها إلا الذئب والغراب ، أو أن يعتسف راكبها المفازة وهي المهلكة ، سموها مفازة على طريق الفأل . وقيل : إنها تسمى مفازة ، من فوز أي هلك ، فليس في هذا البيت ذكر البلية ، ولكن الخالع أخطأ في إيراده في هذا الباب ، كما أخطأ في هذا الباب أيضا في إيراده قول مالك بن الريب : وعطل قلوصي في الركاب فإنها * ستبرد أكبادا وتبكي بواكيا ( 4 ) فظن أن ذلك من هذا الباب الذي نحن فيه ، ولم يرد الشاعر ذلك ، وإنما أراد

--> ( 1 ) الشعر والشعراء 397 . ( 2 ) بعده في الشعر والشعراء : وانضح جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخا دم وذبائح ( 3 ) من أبيات في رثاء ربيعة بن مكدم ، تنسب إلى ضرار بن الخطاب ، وتنسب لحسان أيضا ، وانظر الأغاني 16 : 58 ، 59 ( طبعة دار الكتب ) . ( 4 ) أمالي القالي 3 : 138 .